<%@ Language=JavaScript %> قيس عبد الله التبسيط بشأن الانسحاب الأمريكي

 

لا

للأحتلال

لا

للخصخصة

لا

للفيدرالية

لا

للعولمة والتبعية

حضارة بلاد الرافدين   

    

                                                

صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة من الكتاب والصحفيين العراقيين                                    

 للمراسلة  webmaster@saotaliassar.org                                                                            

 

التبسيط بشأن الانسحاب الأمريكي

 

 

قيس عبد الله

 

((والآن، ما عسانا نفعل دون برابرة؟

لقد كان هؤلاء القوم نوعاً من حل))

قسطنطين كافافي         

 

 

يجري تصوير انسحاب القطعات الأمريكية من العراق على أنه انتصار للعراقيين، وأن الأوان قد آن لأن يشكلوا حكومة وحدة وطنية أو ما شابه تجتاز المرحلة الحرجة وترسي أساس سلطة العراقيين المستقلة، وكأن الأدوات الملائمة لذلك متاحة وتحت اليد. والحال أن الانسحاب ليس الاندحار، وهناك الكثير من العسكريين حصلوا على أرفع الأوسمة على أساس عمليات انسحابية، ومعروف أن أرفع وسام حصل عليه عسكري في التاريخ كان لقب سيف الله المسلول الذي أسبغه الرسول الكريم على خالد بن الوليد على أثر انسحابه في مؤتة. ويمكن ذكر الكثير من الأمثلة من التاريخ العسكري الحديث لعل من أشهرها تمكن رومل من سحب القطعات الألمانية من مصر إلى تونس ثم أوروبا وتجنيبها الإبادة  أو الأسر في العلمين. وليس ثمة من شك أن المقاومة العراقية هي التي ألجأت عدوها إلى الانسحاب تحت جنح ليل، لكن مما لا شك فيه أيضاً أن هذه المقاومة نفسها لم تضرب الأرتال المنسحبة وسمحت للعدو بفك الإشتباك في وقت تملك فيه زمام المبادرة وتحديد وقت ومكان المعركة، على عكس المقاومة الفيتنامية التي دحرت عدوها وألجأته إلى الهرب تاركاً أسلحته ومعداته ومعسكراته سالمة وغنيمة باردة. إن الانسحاب الأمريكي من العراق هو في حقيقته الخروج السليم من مأزق حرج في ارض معادية إلى قواعد آمنة قريباً من ساحة الصراع، فما الداعي للإصرار على التواجد العسكري المباشر في قواعد تتعرض للقصف اليومي وهناك إلى جانب القطعات المنسحبة إلى الكويت القواعد الجوية في تركيا والسعودية وقطر، وغيرها مستعدة للتدخل السريع متى شاءت، وهي الأوكار التي انطلقت منها الطائرات والصواريخ والقطعات التي دكت العراق دكاً في حربين قاسيتين؟

ثم أن الأمريكان لم ينسحبوا إلا وقد ضمنوا مصالحهم وحقهم في التدخل من خلال الاتفاقية الأمنية ومن خلال السفارة العملاقة والشركات الأمنية وشبكات الإرهاب والتجسس التي لا تحصى، وقبل كل شيء السلطة الصنيعة المنفذة حرفياً لإرادة المحتل، والتي كرست واقعاً من التمزق والطائفية والانهيار الاجتماعي مما لا يصح إنكاره. على أن من التبسيط أيضاً القول إن المحتل نفذ كل ما يريد وإن مشروعه نجح على كل الصعد، فمن الواضح أن الانسحاب العسكري جاء الحلقة الأخيرة في انسحاب استراتيجي كانت أداته الرئيسية المجيء بدمية سوداء من أصول إسلامية إلى رئاسة الإدارة الأمريكية والتنازل عن مشروع الشرق الأوسط الجديد والقبول بما تحقق من مكاسب وهي ضخمة في كل الأحوال مما يجنب الولايات المتحدة تعقيدات ربما تهدد وحدتها الداخلية. إن من الكذب على الذات القول إننا انتصرنا.

لكن من الإجحاف  ايضاً القول إن العراقيين سمحوا للمحتل أن يفعل ما يشاء  بحرية، فالواقع أنه انسحب ذليلاً مهاناً مثخناً بالجراح وقد تكبد المليارات من الدولارات مصاريف نزيف مستمر ومعالجة معوقي حربه مدى الحياة، لكن انسحابه كان ضمن أهم السمات المميزة لقدرته الفائقة في المرونة والمناورة والتعامل بالبدائل وامتصاص الأزمات. فلئن كانت المقاومة العراقية المسلحة قد أذاقته الويل إبان انتشاره، فقد جردها من زخمها بمجرد انسحابه إلى قواعده، حيث ظلت فعالة على صعيد الفعل العسكري عن بعد ، لكنها ظلت فاقدة للمرونة ولم تستثمر انتصاراتها. وربما من الإنصاف اعتبار حجم المشاغلة المحلية لها من قبل جيش المهدي وفيلق بدر وغيرها من الميليشيات الطائفية، وتدنيس سمعتها عن طريق جماعات مسلحة إرهابية تمارس الذبح والتفجير والاغتيال على شاشات التلفزيون باسمها، أضافة إلى الدور التخريبي الذي لعبه اليسار المزيف في استدراجه خيرة ناشطي المعسكر المعادي للاحتلال والداعم للمقاومة الوطنية، في حين ظل يدس السموم على الدوام في نشر الأكاذيب حول منظمات مسلحة نظيفة اليدين وترويج أكاذيب حكومة الاحتلال أو نشر الإعلام المعادي بتحفظ على طريقة "ناقل الكفر ليس بكافر" أو ما شابه، وها هو الآن يشن الحملات على علاوي والهاشمي ويعاتب المالكي. لكن من الحق القول إن المقاومة المسلحة في العراق مع كونها غير طائفية في العموم وتعادي حكم المحاصصة علناً، إلا أن خطابها الإسلامي الحصري رغم برنامجها الوطني العام قد جرد العراق من سلاح مسيحييه وصابئته وغيرهم، ومع أن من المفترض تعاون غير المسلمين ومشاركتهم الفعالة في المقاومة كما في كل تجارب التاريخ المشابهة، إلا أن فعلهم يظل هامشياً. هل نشتط في قولنا إن منظمة تدعو نفسها ((أنصار السنة)) أو ((رجال الطريقة النقشبندية)) لن تتعدى نطاقها المذهبي والجغرافي يوماً؟ وهذا ينطبق على العصائب وألوية الشريعة الخاتمة وأشباهها من مقاومي الجنوب والفرات الأوسط.

لكن الخطر في تجربة المقاومة العراقية هو بطؤها في غربلة صفوفها، مما أصابها بانتكاسة خطيرة حين انسحب الآلاف من صفوفها وتشكيل قوات الصحوة المعادية لها والمطلعة على تنظيماتها السرية. إن ظاهرة الصحوة جاءت بسبب التشكيلة الميدانية للمقاومة على أساس العشيرة والمذهب، وكلاهما مرجعية فضفاضة يمكن استثمارها من فئات أخرى، منافسة أو معادية على السواء.

ثم أن طبيعة الوضع الداخلي إبان انطلاق المقاومة دفع إلى تعددية شديدة وتشرذم أدى إلى ظهور تشكيللات ضئيلة تطلق خطابات نارية ثم لا تلبث أن تختفي بمقتل أو اعتقال مقاتليها المعدودين. وعلى هذا وبسبب الفلتان الأمني وعدم سيطرة دولة الاحتلال المركزية، فقد صار تشكيل الميليشيات المقاتلة سلاحاً بوجه الخصوم ضمن العملية السياسية باسم المقاومة. إن قيس الخزعلي وعبد الناصر الجنابي مثالان جليان على أمراء الحرب الذين اقصاهم خصومهم من خندق المحتل المشترك فواجههوه بالقوة المسلحة وعلى حساب المقاومة. ولقد كانت أول خسارة مؤثرة تمنى بها المقاومة هي تراجع الصدر والضلوع بدور فعال في تصفية مقاتلي تياره المعادين للاحتلال. إن انعدام الوضوح والصرامة في تعامل المقاومة مع هذه الفئات قد منح الأخيرة مشروعية أو على الأقل واقعية عززت من مواقعها وأضافت رصيداً للعملية السياسية.

وحتى الناشطون المؤازرون للمقاومة ظلوا يلحون على مطالبتها بالتوحد، وهذا من التعجيز في الخطاب الحالي للفئات المقاومة، فمن ناحية انكفأت فئات منها نحو الأطر السياسية السابقة للغزو إلى حد تسمية عزت الدوري – المشكوك في كونه على قيد الحياة- شيخ المقاومين!، ومن ناحية أخرى تمسكت جميعاً بتنظيماتها وخطابها ومرجعياتها ولم يتعد تعاونها المجال العملياتي. إن من الواقعي أكثر تنسيق الجهود والتخطيط التكتيكي - ونقصد به الأهداف قصيرة ومتوسطة المدى- والتنظيم المشترك للعلاقة بالسكان المحليين وتشكيل لجان تنسيق تتطور باطراد نحو تشكيل قيادات مشتركة والعمل بدأب نحو تشكيل جبهة وطنية على الصعيدين العسكري والسياسي تعكس الدعوة الاجتماعية المستمرة للعمل الجبهوي. لم نسمع عن نشاطات اجتماعية للمقاومة كما في جنوب لبنان مثلاً من حيث تسهيل حياة المواطنين وتقديم الخدمات والرعاية الاجتماعية والاستفادة القصوى من الدعم الخارجي، حيث لا يزال الناشطون في كل قارات العالم وعلى طوال سنوات الاحتلال يروجون للمقاومة دون أن تفوضهم بصورة عملية لصالحها، أو تستفيد من حريتهم في التحرك في أجواء آمنة... رغم أن المقاومة العراقية جدعت أنف المعتدي المحتل، إلا أن أداءها ظل عسكرياً بحتاً، ولا نغالي في قولنا إن ذلك أضعف الإيمان.

وأخر ما يقال في هذا الصدد امتثال المقاومة لهراء توفير الدم العراقي؛ فهل أسراب فيلق بدر القادمة من إيران مع الغزو والتي أمعنت جزراً بالمقاومين والأبرياء من غير طائفتها دم عراقي؟ أم أن الآلاف من أشباه "أبو درع" دماء عراقية؟ إن مقاومتنا سلكت سلوك كل مقاومات العالم، حين تعاملت على أساس الذنب الفردي على قاعدة لا تزر وازرة وزر أخرى، وقد كانت أيام الهجوم الطائفي الحاد فعالة في حماية المدن والقرى وتقليم أظفار البيشمركة وفيلق بدر وجيش المهدي، وعليها ألا تتردد في بتر أيدي هؤلاء الذين أثبتوا كفاءة في خدمة المحتل وإراقة الدم العراقي لصالحه.

****

      لقد فشلت الفئات التي حاولت اقتطاع الجنوب في إقليم موال لإيران في البصرة –وفي محافظات جنوبية أخرى- لرفض الجنوبيين القاطع لمشاريعهم التفتيتية، وحتى في الانتخابات التي سادها التزوير والتهديد والارهاب والرشوة أقصيت هذه الفئات وتراجعت عن مراكز القرار. وإذ فشل الغزو في إغراء أتباع آل البيت بإقامة أقاليمهم بدعوى أحقيتهم في موارد مناطقهم على أساس مظلومية تاريخية، فقد جاء البديل عن طريق الضغط على الخصم الطائفي والتضييق عليه وإجباره على المطالبة بإقامة أقاليمه، وهذا يفسر الحوادث غير المبررة في مناطق غير ذات تماس مذهبي ولكن ذات طبيعة حدودية، كمجزرة النخيب في الصحراء بين كربلاء والأنبار أو عرس التاجي أو فصل اساتذة جامعة تكريت، وآخرها دعوى تعاون الهاشمي مع الإرهاب. كل هذه الأعمال مقدمات لدفع التوتر الطائفي إلى نقطة اللاعودة وجعل العزل الإداري ضرورة موازية للعزل المناطقي الحالي كما في الأسوار التي لا تزال تفصل أحياء بغداد. إن ما تلا انسحاب القطعات من زيارة المالكي للولايات المتحدة وإثارة فضيحة الهاشمي ولما ينقض الأسبوع الأول من العام الجديد تشي بما جرى الاتفاق عليه من ترتيب مرحلة ما بعد الوجود العسكري المباشر. فمن ناحية أولى كيف لم تعلم السلطة التابعة بضلوع أحد أهم ممثليها ونائب كرشها الأضخم ورئيس أكبر حزب طائفي مقابل في العملية السياسية في العمل الإرهابي طوال هذه السنوات؟ أم أن هادي العامري مثلاً ليس رئيس منظمة بدر، أو أن هذه الأخيرة جمعية خيرية؟ من الناحية الثانية جاء الرد واضحاً جلياً: الوجود الفعلي على الساحة والتحكم بنفس السلاح؛ الإرهاب والتفجيرات المتزامنة في مواقع عديدة وفي أكثر من مدينة، حتى صارت عودة الحرب الأهلية حديثاً يومياً، رغم عدم صواب الجزم في تشخيص الفاعل، لكنه يظل ضمن السياق الإجرامي لسلطة خدم المحتل ولا فرق بين أنياب الوحش الغازي وبراثنه بعد كل شيء.

لم يخرج المحتل من أرضنا، لأن المالكي والهاشمي وغيرهم من قادة العملية السياسية أجانب وأعداء حاقدون عملوا على تمزيق الوطن وقتل مواطنيه وتفتييت دولته وهدم اقتصاده.. ولا صلاح للعراق، ولا هدوء، ولا أمن، ولا عمل ورزق دون كنسهم كما كنس العراقيون ذراعهم العسكري، ودون محاورتهم بمنطق الأحذية كما فعلوها مع سيدهم بوش.

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 

 

الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا

 

 

جميع الحقوق محفوظة   © 2009 صوت اليسار العراقي

Rahakmedia - Germany

 

 

   الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا