%@ Language=JavaScript %>
|
|
لا للأحتلال لا للخصخصة لا للفيدرالية لا للعولمة والتبعية |
|||
|---|---|---|---|---|
|
صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة من الكتاب والصحفيين العراقيين |
||||
|
للمراسلة webmaster@saotaliassar.org |
مأزق التغيير في الفكر العربي الحديث
كرم الحلو
كان التغيير ولا يزال منذ بدء نهضتنا العربية الحديثة هاجس النخبة المثقفة على اختلاف اصولها الفكرية والايديولوجية. فالعالم العربي الذي استفاق على غزوة نابليون مطلع القرن التاسع عشر ما برح مذ ذاك يعاني من فوات انظمته الاستبدادية ومن تخلّفه المزمن عن ركب الحضارة الحديثة وقصوره عن الانخراط في ثورتها وابداعاتها العلمية والفكرية والتقنية والاقتصادية.
تشاطر المثقفون الدينيون والقوميون والليـبراليون والماركسيون على السواء هم التغيير لأن استمرار العالم العربي على ما هو عليه من تكلس في بناه كافة لم يعد ممكناً او مقبولاً. لكن اذا كان ثمة اتفاق على التغيير، فإن شكل هذا التغيير ومقدماته وكيفية النهوض به كانت دائماً موضع خلاف واجتهاد ومثار ارتباك وتناقض. فمن اين يبدأ التغيير وكيف؟ ما هي مقوماته ومنطلقاته وهل ثمة اولوية ايديولوجية دون سواها تؤسسه وتحدد مساره؟
ولعل المنحى الاجتزائي المخل الذي انتهــجته غالبــية التـيارات الفكرية العربية في التعامل مع هذه الاسئلة باصرارها على مقدمة ايديولوجية احادية منطلقاً للتغـيير، هو اصل ارتباك واخفاق مشاريعنا النهضوية التي تجرجر خيباتها من جيل الى جيل.
على اساس هذا المنحى الاجتزائي انقسم الفكر النهضوي العربي بين من قدّم الاصلاح المؤسس على التراث بالعودة الى النهج القويم المركون في النص الديني باعتباره المقدمة اللازمة لأي اصلاح جدي، وبين من جعل الانتهال من قيم الغرب الليبرالية في المساواة والحرية والقومية والمواطنة وحقوق الانسان والمرأة مقدمة اي تقدم حضاري.
ذهب الاصلاحي الاسلامي الى ان الامة لن تتقدم الا بما تقدمت به سابقاً وان مستقبل العرب رهن باستعادة ماضيهم، في حين ذهب الليبرالي العربي الى ان لا تقدم الا باستعارة اواليات فكر الغرب الليبرالي والبدء من حيث وصل هذا الغرب. قال الاول من التراث يبدأ التغيير في حين قال الآخر لا تغيير الا من الحداثة وبالحداثة وقيمها ومبادئها.
الماركسيون العرب قدموا العامل الاقتصادي جاعلين تطور الاقتصادات العربية الشرط المؤسس للوحدة القومية العربية والتحول الاشتراكي. ففي رأي نسيب نمر ينبغي قبل كل شيئ ان تتقدم الحياة الاقتصادية على نطاق اجزاء العالم العربي كله، ومن ثم يصبح جمعها في «كل» موحد ضرورة واقعية تاريخية يحتمها تطور المجتمع نفسه، اما الاشتراكية فيحتمها تطور الرأسماليات العربية نفسها.
الفكر القومي العربي نحا هو الآخر المنحى عينه بتقديم العوامل المادية والاقتصادية في التغيير. فبرهان غليون يرى ان الديموقراطية لن تصبح هدفاً مشروعاً للعمل السياسي الا اذا تضمن واقع العرب الموضوعي الحد الادنى من العناصر والامكانات التاريخية. ولهذا، كما يقول، ان المشكلة الاساسية التي يعانيها العالم العربي، ليست مشكلة الحرية، بل هي الآن، والى زمن طويل، مشكلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتأمين العمل لملايين الناس.
على الضد من هذا التصوّر الذي يغلب المقدمات المادية والاقتصادية في التغيير، ثمة تصوّر آخر يطرح الحرية كمقدمة لكل تحرير آخر، ومن هنا، فإن تحرير الروح الداخلي، في رأي هاشم صالح، سوف يسبق التحرير الخارجي، وسوف يكون «الشرط الاول والمسبق لكل تحرير. كل انواع التحرير الأخرى، كالتحرير الاجتماعي او الاقتصادي او السياسي مرتبطة بالتحرير الروحي». وفي هذا السياق الايديولوجي بالذات طرح عبدالله العروي المأزق النهضوي العربي من منظور ثقافي، لأن التنـمية والديموقراطية والاشتراكية والوحدة، من دون ثورة ثقافية، ستلقى المصير الذي لقيته دائماً، الاخفاق. ومن المنظور الثقافي اياه، المقدمة يجب ان تعطى لنقد العقل العربي في رأي محمد عابد الجابري او لنقد العقل الاسلامي في نظر أركون او لنقد الرؤية الدينية المؤسسة للجسم الاجتماعي العربي كما ذهب أدونيس.
وثمة توجه ايديولوجي يبدأ من الوحدة العربية كمقدمة للقضاء على الفوات التاريخي، فقد ذهب الياس مرقص وياسين الحافظ الى ان قيام مجتمع عربي حر ومتقدم وقادر على النهوض والتطلع الى المستقبل امر لا يمكن تصوره في ظل التجزئة القومية.
خلافاً للفكر القومي طرح الفكر الطبقي انهاء طبقية المجتمع كمقدمة للحرية وللوحدة المواطنية والقومية، فما دام هناك صراع طبقات يهدد وحدة المجتمع في الصميم لا يمكن تصور وحدة قومية عربية ومواجهة تحديات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وثمة من يرى في الوقت الراهن ان الديموقراطية هي مقدمة التغيير في العالم العربي. لكن الديموقراطية كما هي مطروحة مقولة ملتبسة واشكالية. فهل الديموقراطية هي باختصار حكم الاكثرية الشعبية ام ان ثمة اسساً ومبادئ علمانية لا تستقيم من دونها، مثل الاعتراف بمركزية الانسان في الوجود السياسي والاجتماعي والمساواة التامة بين الناس من دون اي تمييز بين الاشخاص او تفريق بين الاحوال، فضلاً عن الحرية المطلقة في الاعتقاد والتعبير؟ وما علاقة الديموقراطية بالفرد او بالدولة او بالدين؟ وهل الديموقراطية ممكنة من دون مقدمات اقتصادية وثقافية واجتماعية؟
آفة كل هذه التوجهات الفكرية في رأينا في اجتــزائها للأزمة البنيوية للمجتمع العربي التي هي في آن ازمة تنموية ثقافية اقتصادية سياسية واجتماعية فكرية. ومثل هذه الازمة لا يمكن مواجهتها بمقدمة احادية كما حصل ويحصل حتى الآن. فقد أدت الاحادية الليبرالـية الى الاعــراض عما في تراثنا من قيم ومبادئ انسانيـة كـما ادت احـادية الاصالة الى اسقاط قيم التنوير وتشـريع التخلف والاستبداد. بالقول بأولوية الاقتصاد غيبت كل العوامل الاخرى السياسية والدينية والايديولوجية الفاعلة في التاريخ. وبالقول بأولوية الوحدة العربية ضحي بالديموقراطية وحقوق الانسان العربي، وبالقول بأولوية الديموقراطية أسقط التلازم العضوي بينها وبين العلمانية. وكثيراً ما قاد الخطاب الديموقراطي الى معاداة الدولة، مع ما في ذلك من تغييب للعلاقة العضوية بين الدولة والديموقراطية.
من هذا المنظور نرفض الرؤية الاحادية الى مقدمات التغيير في العالم العربي ونرى ان السبيل الانجع الى مجتمع عربي آخر تسوده الحرية والعدالة والديموقراطية يكمن في الاخذ بكل المقومات بدلا من اجتزائها والاكتفاء بإحداها باعتباره كفيلاً بالتغيير المنشود.
أليس ما نراه في العالم العربي الآن من ضياع وخيبات وما نلمسه من مآلات غير مرتجاة الا الدليل القاطع على ان التغيير إما ان يكون شاملاً ترفده مقدمات اقتصادية سياسية اجتماعية فكرية او يبقى مهدداً بالانقلاب على ذاته والارتداد الى الوراء؟
([) كاتب وأكاديمي
تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم
الصفحة الرئيسية | [2] [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا
جميع الحقوق محفوظة © 2009 صوت اليسار العراقي
|
الصفحة الرئيسية | [2] [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا |
|
|---|