<%@ Language=JavaScript %> د. سوسن إسماعيل العساف  بناء دولة للفساد: العراق المحتل نموذجا
   

صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة من الكتاب والصحفيين العراقيين          

 

للمراسلة  webmaster@saotaliassar.org                                                                        

 
 

 

 

لا

للأحتلال

 

 

 بناء دولة للفساد:

 

 العراق المحتل نموذجا

 


د. سوسن إسماعيل العساف

بني العراق الحديث، كما يحدثنا التاريخ، على يد أشخاص، ومهما أختلفنا مع سياسات بعضهم، اشتهروا بطهارة اليد والتفاني وإيثار المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، من امثال الملك فيصل الأول ونوري السعيد وجعفر العسكري وياسين الهاشمي وجعفر ابو التمن ومحمد رضا الشبيبي وغيرهم كثيرون، وغادروا الدنيا ولم يتركوا وراءهم سوى دارهم السكنية ودنانير معدودة في حساباتهم الخاصة. لا بل حتى من جاء من بعدهم نهجوا نفس المنهج، وخاصة عبد الكريم قاسم. لم يكن الفساد والرشوة أمران متعارف عليهما في تلك الفترات وكان من يوصم بهما تلاحقه هذه السبة حتى مماته إن لم يكن بعدها لتشمل أهله وأحفاده. وإن كان لابد من ذكر بعض الأمثلة فأن الملك فيصل الأول غادر الدنيا وهو لايملك شيئا، وأن نوري سعيد قتل بعد عقود من وجوده في المراكز الأولى من المسؤولية وفي حسابه الخاص قرابة أربعين دينارا المتبقي من رواتبه. وأن الملك فيصل الثاني واثناء زيارة لجمعية الهلال الأحمر الخيرية تبرع لهم بمئتين وخمسين دينارا وعندما عاد الى قصر الرحاب أخبره مسؤول الخزينة أن صلاحياته لا تسمح له بالتبرع بمثل هذا المبلغ وأن ما هو موجود في حسابه الخاص لا يكفي لتغطية ذلك، وعندها قال الملك ولكني وعدتهم وتم الأتفاق على أقراضه هذا المبلغ على أن يتم أستقطاعه من رواتبه على دفعات.

 أما حالة عبد الكريم قاسم فمعبرة بصورة أكبر، ومعروف لدى كل العراقيين أنه قتل وهو لا يملك حتى دارا خاصة به للسكن في حين أنه بنى لكل ضباط الجيش العراقي احياء سكنية عديدة، وقصص دفع عشرة دنانير من جيبه الخاص لمرافقيه لكي يجلبوا له ولضيوفه من المسؤولين اذا ما تأخرت أجتماعاتهم الكباب المشوي الرخيص يتذكرها كل من عايشه. ولم يكن هذا حال رؤوساء الدولة ورؤوساء وزاراتها فقط وانما أمتد ليشمل المسؤولين الكبار الآخرين، فعلى سبيل المثال لا الحصر أن جمال عمر نظمي الوزير والمحافظ والسفير في أكثر من مرة توفي وهو يسكن دارا مبنية على عرصة (مملوكة للدولة) تملكها أبناءه بعد سنين من وفاته بعد أن سددوا ثمنها من مالهم الخاص. ومن يقرأ مذكرات القاضي محمود خالص بجزئيه الاول والثاني، (ذاكرة الورق) الذي تدرج في مناصب القضاء العراقي حتى وصل الى رئاسة أعلى هيئة قضائية، محكمة التمييز (النقض) يجد هذه الحالة متجلية بصورة واضحة في حين كان يمكن لمنصبه أن يجعله من أثرياء العراق لو خالف ضميره. وحفيد جعفر التمن يسكن في شقة سكنية متواضعة في بغداد اشتراها من رواتبه، وبالتاكيد هناك قصصا اكثر بكثير جدا ولايمكن حصرها على مثل هذه الحالات العفيفة، ما أريد أن أقوله إن طهارة اليد والذيل كانتا القاعدة في العراق والأستثناء كان ألأرتشاء والقبول بالفساد.
لم يبق الحال على ماهو عليه، فالحروب الكثيرة وشظف العيش والأستهانة بالمال العام زاد من ظاهرة الرشوة والفساد لكي تتفشى بصورة أكبر بعد الحصار الظالم الذي فرض على ألعراق بعد عام 1990 الذي لم يراع فيه حاجات الشعب العراقي الأساسية، ولما تم أقرار صيغة النفط مقابل العراق سمح للعراق بتصدير ما قيمته ثلاث مليارات دولار من النفط الذي جزم فيها مخططوا الحصار بانها كافية لأعاشة العراقيين ودفع مرتباتهم، ثم تم مضاعفة هذا المبلغ فيما بعد أي أن ميزانية العراق السنوية كانت لا تتجاوز الست مليارات دولار، في حين أن التعويضات التي كانت تستقطع من العراق ومعها المبالغ المحتجزة كانت اضعاف أضعاف هذا المبلغ. وفي تلك الفترة، وهذا ليس تبريرا لفعل مشين وإنما ذكر لواقع، كان شظف العيش والجوع والفقر وتزايد تكاليف الحياة هو ما برر للبعض مد اليد وليس الجشع والرغبة في الأثراء غير المشروع.
و ما أن وصل الأحتلال الى العراق حتى أعلن بوش الابن في 10 نيسان/ابريل 2004 للشعب العراقي:'من هذه اللحظة انزاح نظام صدام حسين من السلطة، ونحن لن نتوقف حتى تذهب جماعة الفساد التابعة لصدام...أنتم تستحقون افضل من حكومة استبدادية وفاسدة'. وتوقع الكثيرون أن القوات الغازية ولأجل سمعتها الدولية ستحارب الفساد وستبني دولة عراقية على غرار المانيا واليابان. إلا إن ما جرى كان وما زال هو استباحة للثروات العراقية وبصورة غير مسبوقة وجرى بصورة منظمة تقنين ومنهجة لا بل مأسسة الفساد بصورة لا يمكن إلا أن تكون مقصودة، وتم صرف مبالغ كبيرة بدون دراسة او محاسبة بدعوى أن العراق قد دمرته الحروب وأنه بحاجة الى صرف مبالغ طائلة لأعادة بناء بنيته التحتية، وهي كلمة حق أريد بها باطل. لقد تم التلاعب باموال العراق بطريقة سمحت للشركات الأجنبية، الأمريكية منها بصورة خاصة، بالحصول على عقود كبيرة لم يثبت لحد الآن بانها ساهمت في بناء البنية التحتية. فعلى سبيل المثال وبمجرد أن وطأت اقدام المحتلين أرض البصرة وقبل أن يتأكد الأمريكان من نجاح احتلالهم حتى تم الأعلان عن منح شركة هاليبرتون الأمريكية عقدا بقيمة اربعة مليارات دولار لتطوير ميناء أم قصر الذي كان يعمل بصورة طبيعية وكل ما كان يعوقه تشديدات الحصار الظالم الذي فرض على العراق لمدة ثلاثة عشرة سنة. ثم تم تعيين جي كارنر حاكما مدنيا للعراق، الذي رغم كونه ضابطا سابقا في الجيش الأمريكي، إلا أنه أصبح من المقاولين ومستثمرا جلب معه الشركات التي يمتلك أسهما فيها لكي تستثمر في العراق. وإن كان ولابد من ذكر حادثة بسيطة ذات دلالة فأذكر أن أحد المهندسين العراقيين ابلغني بأن جسرا حيويا يربط العراق بدول الجوار تم تدميره في عدوان 1991 وأعاد العراقيون إنشاءه بجهودهم وبمبلغ لم يزد على ما يعادل مئة الف دولار، نفس الجسر تم تدميره في عدوان 2003 وأحيل الى شركة أجنبية بمبلغ أثنا عشر مليون دولار ثم قامت الشركة ببيعه الى شركة عربية وبدورها قامت الشركة العربية ببيع المناقصة الى مقاول عراقي بأقل من ثلاثة ملايين دولار. ونشرت الواشنطن بوست في 23 أيار/مايو 2003 قصة غريبة تحت عنوان 'في العراق فرصة العمر للعمل لأدارة ميزانية بقيمة 18 مليار دولار دون خبرة' ، ومفاد القصة أن 6 شباب امريكان تلقوا رسائل مفاجئة من وزارة الدفاع الأمريكية تسألهم فيها عن رغبتهم للعمل في العراق دون حاجة الى أي خبرة. وانتهى الأمر بهؤلاء الستة بأن يكونوا مسؤولين عن أنفاق اموال الميزانية العراقية دون ضوابط ولا قيود. هكذا وبكل بساطة تم وضع الأساس لميزانية العراق الجديدة. وعندما حل بول بريمر محل كارنر كان أول ما فعله هو مطالبة الأمم المتحدة بتسليمه أموال العراق المحتجزة. ولما رد عليه المسؤول الأممي بأن هذه الأموال هي من حق الحكومة العراقية أجابه بريمر بمقولته الشهيرة (أنا الدولة العراقية). ثم قام بدعوته المعروفة الى رجال الأعمال الأمريكان وقال لهم أن العراق بلد ملئ بالثروات والذي لا تعرفونه بأن كل هذه الثروات هي في متناول يدكم. وقام بالتصرف وحسب هواه بالمبالغ النقدية الهائلة التي وقعت تحت يد القوات الغازية، وقصة نقله مليار ومئتي مليون دولار بطائرتي هليكوبتر الى جهة ما، معروفة للجميع، وأنه صرف مبلغ 8.8 مليار دولار دون أخضاعها الى أية أجراءات محاسبية أصولية. وبالنتيجة غادر العراق وهو في مصاف الأغنياء بعد أن جاء موظفا مدنيا عاديا في الأدارة الأمريكية. ومن يقرأ الكتاب الاسود لبيترو غالبريث المشؤوم (نهاية العراق) يجد في فصله السابع ما لا يمكن ان يتوقعه من عمليات الفساد بالارقام والاسماء والادلة لقوات الاحتلال التي يسنتج منها ان من أسس للفساد في العراق هم قوات الاحتلال والمتعاونين معه. والأخطر من كل ذلك أن الأدارة الأمريكية في العراق تسترت بل وحمت الفاسدين وسراق المال العراقي العام والذين تعاونوا مع ألأحتلال قبل وبعد وقوعه بطريقة غير مسبوقة، ولا أدل على ذلك من اختطافهم وتهريبهم لوزير عراقي سابق كان مسجونا بأمر قضائي لفساده، من معتقله ونقله الى الولايات المتحدة بدعوى أنه مواطن أمريكي حيث يعيش هناك متمتعا بالملايين التي سرقها. وحذت بريطانيا نفس الحذو ومعها دول أوروبية أخرى. فالكل يعرف مدى صرامة القوانين الضريبية في بريطانيا وكيف أنها لا تتسامح مع كل من يثبت تورطه في فساد مالي أو استغفال الدوائر الضريبية ومع هذا نجد أن بريطانيا تغض النظر عن عشرات من العراقيين الذين تجنسوا بجنسيتها تحولوا من معتاشين على المعونة الأجتماعية الى أغنياء يمتلكون املاكا وأرصدة بملايين الدولارات ولم يتم محاسبة أي منهم، وكل يوم تنشر حقائق عن بعض هؤلاء وكيف أنهم لازالوا يتسلمون المعونات التي تصرفها لهم الدول الأوروبية ولا ندري مدى صحة هذه الأدعاءات ولو ان بعضها يبدو حقيقيا. والقصص عن هذه الشريحة المتزايدة كثيرة بحيث أن الأحصاءات والصحف الأمريكية والبريطانية والأوروبية مليئة بالأخبار عن المبالغ المهدورة والتي اوصلتها بعض التقارير الى حوالي ماتتين وخمسين مليار دولار، هذا المبلغ الذي كان يكفي لبناء العراق ووضعه في مصاف الدول المتقدمة، ولم يتم محاسبة شخص واحد بتهمة الفساد والأثراء غير المشروع. فهل هناك مأسسة وتجذير للفساد أكثر من ذلك. وحذت الحكومات العراقية المتعاقبة والكتل المنخرطة في العملية السياسية نفس الحذو في حماية الفاسدين، فالوزير الذي أدين بفساد كبير وسجن يطلق سراحه بأمر قضائي والذي يصدر بحقه أمر بالتوقيف ليحقق في فساده يصدر أمر آخر يلغي أمر القاء القبض وهكذا. وإذا ما أردنا أن نتحدث عن الرواتب والمخصصات التي يحصل عليها المسؤولون الكبار في الدولة العراقية فأن كل المعايير الدولية تقف عاجزة عن تفسير الأرقام الخيالية التي يتسلمونها في وقت لا تزال الغالبية العظمى من العوائل العراقية تعتاش على راتب شهري يعادل مئة أو مئتي دولارا او ربما اقل. وليس أبلغ من ملاحظة بريمر اللئيمة عن الساسة العراقيين الجدد عندما قال أن الجلسة الوحيدة لمجلس الحكم الذي أسسه بعد الأحتلال والتي لم يجر فيها أي نقاش أو جدل وأنتهت بسرعة بأتفاق كامل هي تلك التي حددت فيها مرتبات أعضاء المجلس مما يدلل بأنها كانت أكبر بكثير مما كانوا يحلمون به. ونفس الشئ يمكن أن يقال عن ما يتسلمه الأجانب العاملين في العراق.
إن الخطورة لا تكمن فقط في هذا الحجم من الفساد الذي نقل العراق الى مرتبة ثالث دولة فاسدة في العالم وإنما في العجز او بكلمة أدق عدم الرغبة في محاربة هذه الآفة المدمرة، ولا أدل على ذلك مما جرى في مجلس النواب مؤخرا في قضية المفوضية العليا للأنتخابات. لقد جاء التصويت في مجلس النواب على عدم سحب الثقة من المفوضية العليا للأنتخابات كما توقعه الكثيرون وفشل المشروع وبقيت هذه المفوضية الفاسدة في مكانها وستستمر في ممارسة نشاطها دون أي رقيب أو حسيب. ولا ندري هل نأسف على موقف نواب العراق الذين يفترض فيهم أن يمثلوا مصالح العراقيين أم نأسف على ما آل اليه العراق من تدهور وأنحدار منذ عام 2003 ؟. لقد فضل الجميع مصالحهم ومصالح الكتل التي ينتمون اليها، وخاصة تلك التي تعلم بأن هذه المفوضية الفاسدة قد خدمتها وستخدمها بالتلاعب بنتائج تصويتات حيوية وجوهرية. وأخيرا وليس آخرا جاء اغتيال المدير العام في وزارة التعليم العالي وولده والذي ظهر أنه مسؤول عن ملف الشهادات المزورة والذي نجح في نقل صورة من ملفات دائرته تحسبا لأي طارئ، وهو ما حدث عندما تم حرق الطابق الذي يحوي هذه الملفات، ليوضح كبر حجم الفساد وتمكنه في العراق أن كل ما حدث ويحدث لابد أن يذكرنا بحقيقة لا يمكن تغافلها وهي أن الأحتلال لا يبني دولة ناجحة ولا يمكن أن يكون في مصلحة أبناء شعبها. لقد كان واضحا منذ الأيام الأول للأحتلال أن مصلحة المحتل كانت تنصب على نهب ثروات العراق والسكوت عن كل ما هو فاسد لكي ينخر الفساد في جسم الدولة وأن يؤتى بأشخاص فاسدون أو غير مؤهلين لقيادة ألدولة لكي يوضع اللوم على العراقيين على ما وصلت اليه الحال في بلدهم. لقد أسس الأحتلال ومأسس للفساد في العراق بخطوات واضحة إن لم أقل مدروسة لكي يصبح هو من يمثل الفساد ويحميه قبل أن يجد في العراقيين الذي جاءوا معه من يعينه على ترسيخ وتجذير هذا الفساد. كما أننا أمام ستراتيجية مدروسة لترسيخ الفساد في كل المؤسسات العراقية وعلى كافة المستويات في ظل المحاصصة الطائفية والصراع على السلطة بحيث أصبح هم كل من يصل اليها هو كيف يسرق أكثر من سابقيه وهكذا. والمصيبة الأكبر أن كل هذا الفساد والنهب للمال العام يجري بغطاء دستوري وبحماية الدولة والمحتل بحيث أصبحنا لا نسمع من العراق سوى أحاديث عن سرقات وفساد بمئات الملايين من الدولارات في بلد لايزال يشكو أبناؤه من عدم وجود أية خدمات. وعندما يتم مواجهة أي مفسد بجرائمه يقول بأن ما فعله مستند الى الدستور والصلاحيات التي منحها له والى المخاطبات الرسمية التي يستحصلها من المؤسسات العليا بكتب حكومية استثنائية. وبألتاكيد فأن نتيجة التصويت على مفوضية ألأنتخابات ستكون كافية لأسكات كل من يحاول أن يكشف عن فساد في مكان آخر وسيمنح الفاسدين الفرصة للتمادي في فسادهم. هل هناك كارثة وطنية اكبر من ذلك؟ كان الله في عون العراق والعراقيين.

'
أكاديمية من العراق تقيم في لندن

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 

 

الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا

 

 

جميع الحقوق محفوظة   © 2009 صوت اليسار العراقي

Rahakmedia - Germany

 

 

   الصفحة الرئيسية | [2]  [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير  | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا