%@ Language=JavaScript %>
|
|
لا للأحتلال لا للخصخصة لا للفيدرالية لا للعولمة والتبعية |
|||
|---|---|---|---|---|
|
صحيفة مستقلة تصدرها مجموعة من الكتاب والصحفيين العراقيين |
||||
|
للمراسلة webmaster@saotaliassar.org |
ثقافة المواطنة في بناء الدولة المعاصرة
سليمان تقي الدين
تبلور مفهوم السيادة مع نشوء الدولة القومية في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، قبل ذلك كانت الكيانات السياسية التي تضم إمبراطوريات متعددة الأعراق والاثنيات والأديان عرضة للمداخلات العابرة لحدودها، حتى انتهت حروب الأديان إلى معادلة أن الناس على دين ملوكهم بوصفها ثنائية السيادة والهوية الدينية أو الثقافية .
في الحربين الكونيتين بدأت ظاهرة تنظيم المجتمع الدولي مع عصبة الأمم المتحدة ثم مع الأمم المتحدة، وصارت لنا مواثيق تعترف بسيادة الدول التي نشأت آنذاك مع حق تقرير المصير للشعوب التي لم تحصل على استقلالها السياسي . أقفل القرن العشرون دفاتره على نشوء 192 دولة مستقلة وانتهاء عصر الإمبراطوريات بتفكك الاتحاد السوفييتي واستقلال دول أوروبا الشرقية .
تشكلت الدول الحديثة تاريخياً من نموذجين، الأول هو الدولة القومية أي دولة الأمة، وفي معظم الأحوال غلبت على الفكر القومي الرابطة العنصرية (العرقية) إلى جانب عناصر أخرى من التراكم الثقافي الديني أو الإقليمي . والثاني هو نموذج الدولة التعاقدية التي نشأت عن عهد أو ميثاق أو عن دستور جامع . ولعل الدولة الأمريكية الشمالية هي النموذج الأبرز حيث النظام الدستوري أنشأ هوية جامعة لأكثر من مئة قومية وإثنية ودين وثقافة . إلى جانب هذين النموذجين ظهر نموذج الدولة الاتحادية الذي يجمع بين خصائص الاثنين معاً . تقدم الدولة على الاعتراف المسبق بالهوية القومية وبالكيانية لها وتأخذ بالتعاقد بين الهويات على أساس الاعتراف بالمواطنة . وهذا هو النموذج السويسري .
يتخذ الصراع من أجل المساواة في الحقوق على المستوى الكوني أشكالاً عدّة . لكن المضمون الأساسي للصراعات هو تحصيل أكبر قدر ممكن من الوفرة المادية أو الانتاج أو القوة أو المعرفة للمنافسة في سبيل تقدم الإنسان الفرد . تتراجع أهمية النزاع على الجغرافيا كما بين الصين الشعبية والصين الوطنية (تايوان) . حصلت تسوية تاريخية على مقاطعتي الالزاس واللورين بين فرنسا وألمانيا . أسقط العرب من جدول أعمالهم المناطق التي ضمت إلى إيران وتركيا وإسبانيا وكذلك جزءاً من فلسطين . حلّت مسألة إيرلندا مع بريطانيا وانخفضت أهمية حركة الباسك أو سواها من الحركات الاثنية في أوروبا، وخرجت أوروبا الشرقية من عقدة الهيمنة القومية واستقلت معظم المقاطعات التي كانت تطلب الاستقلال . وبالفعل حيث كان هناك نقص في المساواة السياسية والاجتماعية مركّب على سلطة متفاوتة بين الجماعات أو الهويات فقد حصل فك ارتباط وتقرير مصير . أنجز الأكراد استقلالهم الذاتي في العراق وربما يجدون وسيلة لإقامة دولتهم القومية . انفتحت في العالم العربي مشكلة السلطة أو النظام الذي يقوم على الامتيازات لصالح هذه أو تلك من الفئات . لكن الهدف هو المساواة السياسية والاجتماعية . فحيث كان النقص في المواطنة باعتبارها ثقافة حقوق متصلة بالفرد الطبيعي كانت هناك مشكلات سياسية وايديولوجية ونزاعات بين الهويات .
يردنا هذا الأمر إلى التجربة اللبنانية حيث الأزمة التاريخية المتكررة عن فقدان السيادة وعن توتر الهويات بسبب ضعف ثقافة المواطنة . يغلب على الفكر السياسي اللبناني الاغراق في مشكلة الهوية . غلبت ثقافة الهوية على الاجتماع السياسي فأنتجت تشوهاً خطيراً في ثقافة المواطنة . بانحطاط ثقافة المواطنة فقدت السيادة والاستقلال مقوماتهما .
لخص الشيخ بيار الجميل رئيس حزب الكتائب الأسبق في مطلع الحرب الأهلية الأزمة على النحو التالي: “يدافع المسيحيون عن الدولة لأنها تحقق هويتهم . ويطالب المسلمون بالدولة لتحقيق هويتهم” . الأرجح أن هذه المعادلة من بنات أفكار انطوان نجم (أمين ناجي) أحد منظري حزب الكتائب .
إذا كانت الدولة هي تجسيد الهوية فنحن أمام خيارات عدّة .
الدولة القومية (دولة الأمة) المرتكزة إلى العنصر أو العرق ولم يكن ممكناً تسويق فكرة دعاتها اللبنانيين .
الدولة الاتحادية (الفدرالية) وهي الصيغة المأزقية التاريخية في لبنان، بين دعاة تخطيّها ودعاة تعميق بعدها السياسي الطائفي الجغرافي .
الدولة المركزية المدنية المتعثرة والمعسّرة الولادة في ظل هذا الهياج الطائفي والمذهبي .
لم ينجح اللبنانيون حتى الآن في بناء دولتهم المستقرة بوصفها هويتهم الجامعة، ليس لأن لديهم هوّيات متعددة ومختلفة، بل لأنهم لم يقرروا بعد أن مرجعية اجتماعهم السياسي تكمن في المواطنة . حقيقة الأمر ليس صراع الهويات بل الصراع على السلطة المتضمن لوناً من ألوان الامتيازات والحرمانات . ولا شك أن البعد الثقافي أو الديني أو المذهبي موجود في طروحات القوى السياسية لكن الزعم أن ما يضمن هذا التفرع الحر ليس الحصة الأكبر في السلطة السياسية بل رسوخ القواعد القانونية الديمقراطية .
ذهبت المسيحية السياسية في لبنان مبالغة جداً إلى أن الامتيازات السياسية التي أعطاها إياها النظام تشكل ضمانة للحرية بمفهومها الواسع . لكن هذه “الضمانات” تحولت إلى عبء ثقيل على المسيحية السياسية جرّاء تطلب الإسلام السياسي بنصيبه الأكبر من النظام ومن السلطة . لقد صارت “المحاصصة الطائفية” نقضاً للنظام الديمقراطي والأخطر أنها تحولت ظاهرة كلية شاملة وغزت الطائفية المجتمع بكل ألوان الطيف الديني والمذهبي وحاصرت الحرية في أبسط معانيها . فإذا كان منطق النظام يقود إلى صراع طائفي على السلطة باسم حقوق الجماعات وموازين القوى المتغيّرة ديمغرافياً واقتصادياً وأمنياً وسياسياً، فإن استخدام أي عنصر مساند أو داعم خارجي يصبح مشروعاً بما يناقض السيادة والاستقلال .
أعد الدكتور انطوان مسّرة استمارة حول القضايا التي يختلف عليها اللبنانيون، وكانت تلك تشمل السياسة الخارجية والدفاعية والتربوية والمالية والأحوال الشخصية والثقافية والإعلامية والاجتماعية الخ . . لكن ذلك يهون عند تبلور كيانات طائفية تقتطع سلطات الدولة فتأخذ هذه الجماعات لنفسها سياسات خارجية ودفاعية ومالية وتربوية وثقافية واجتماعية مستقلة ونشطة وتشبك نفسها مع جهات خارجية على هذا الصعيد . وقد قيل عن حق إن ما يختلف عليه اللبنانيون لا يسمح بقيام دولة فدرالية خالصة لأن هذه الدولة الفدرالية تفترض وحدة السياسة الخارجية والدفاعية والمالية على الأقل، وهذه موضع نزاع وجدل .
لكن الحقيقة الأقوى من كل ذلك هي أن الاختلافات ليست متصلة بهويات ثابتة للجماعات . فقد تبدّلت مواقف الجماعات من هذه العناوين والقضايا وفق مصالحها السياسية ومتغيرات المنطقة . ويمكن هنا أن نشير ببساطة إلى أمثلة ساطعة عن موقف الجماعات من العروبة ومن العلاقات العربية ومن “إسرائيل” ومن ظاهرة المقاومة ومن طبيعة النظام إلى غير ذلك من عناوين . نستنتج ببساطة ان الاختلاف يصدر عن أفضليات لدى هذه الجماعات في الصراع على السلطة . في معظم قضايا الخلاف يكمن منطق واحد هو رفض المساواة بين اللبنانيين . يحاول كل طرف أن يجذب السلطة نحوه أكثر ولا يقبل أن تكون المساواة مدخلاً لمعالجة هذه الخلافات . والجميع هنا يعرف كيف تحولت القضايا الوطنية الكبرى إلى ملفات وحقائب طائفية . فقد اختصت هذه الجماعة بمطلب السيادة وتلك بالمقاومة وأخرى بالعروبة ورابعة بتوجيه الاقتصاد والحداثة وما إلى ذلك من تفرعات . وقد أصبحت هذه الملفات امتيازات للجماعات تستقوي بها على الآخرين . فلا يمكن أن يكون قانون الانتخاب مثلاً مسألة من مسائل الهوية كما تتعامل معه الجماعات اليوم . بل إن النظرة إليه تتصل بحاجة هذه الجماعات الى شريط شائك أو سياج أو عازل يحفظ وحدة الجماعة من منظور نخبتها السياسية المسيطرة . وليس أدل على ذلك من تعامل جميع الأطراف مع دستور الدولة والإصلاحات الموجودة فيه . كان الدستور المعدل عام (1990) بعد الطائف يرسم نظرية لبناء الدولة تعالج مسألة الهوية فتجعل منها دولة محايدة بين الجماعات تعطيها ما هو ضروري كي لا تتجاوز على حرياتها وحقوقها كجماعات عبر آلية نظام المجلسين لكن الراجح في الدولة هو أن الحقوق للأفراد أي للمواطنين ترعاها الدولة ولا توزعها على أطراف النظام والسلطة السياسية . حتى هذه اللحظة يدور اللبنانيون في الحلقة المفرغة ذاتها خوفاً من تداعيات الصراع الطائفي ولا يُقبلون على ما يؤدي إلى إخراجه من لعبة الصراع السياسي .
ومن المؤسف حقاً ما آل إليه تطور فكرة الوطنية اللبنانية في نكستها الأخيرة . فلمن لا يعرف من هذا الجيل الجديد فقد كانت الفكرة الوطنية اللبنانية تسير في خط صاعد رغم النكسات التي اعترضتها في محطات معروفة . يختصر البعض المسألة بأننا تراجعنا “من الطائفية إلى المذهبية” . لكن الأدهى من ذلك هو التخلّي عن “المشروع اللبناني الصعب” وعن محاولة الدفاع عنه والعمل من أجله . في يوميات كل واحد منا وفي جعبته الكثير من الحوادث والسلوكيات والأفكار والمواقف التي يمكن وضعها في خانة الاعتداء على لبنان وعلى الدولة في لبنان وعلى “اللبناني الآخر” . كأننا مكرهون على العيش معاً أو سوية وهو ليس حقيقة وليس وعياً وطنياً ولا خياراً عقلانياً . فلو كان في متناول التقسيميين أن يقسموا لبنان لفعلوا . أو الالحاقيين كذلك لفعلوا . لبنان هو المعطى التاريخي الذي منح الجماعات أدوارها وليس العكس . ولبنان الذي ترجّح بين وجود ثابت وانكار في طروحات غالبية اللبنانيين، صاروا يهربون منه إليه ويتمسكون بوجوده أكثر من أي وقت مضى لكنهم “يشتهون” شهوة آثمة بالسيطرة عليه وعلى مقدراته . لذا هم يضعونه كل مرة أمام امتحان الصمود لموجات السياسة العابرة من حوله . والمخرج الوحيد من هذا التناحر السياسي هو بناء الدولة وصيغة للنظام تجعل ركائز الدولة في المواطنة لا في التحالفات الطائفية والتوازنات المتغيّرة.
تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم
الصفحة الرئيسية | [2] [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا
جميع الحقوق محفوظة © 2009 صوت اليسار العراقي
|
الصفحة الرئيسية | [2] [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا |
|
|---|