الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | طلبة وشباب | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

 

مقالات مختارة

صوت اليسار العراقي

تصدرها مجموعة من الكتاب العراقيين

webmaster@saotaliassar.org    للمراسلة

 

 

 

 

 

 

 

 

   

          كتاب جديد عن الطائفية في العراق بعنوان  " السرطان المقدس " للكاتب علاء اللامي

 

صدر قبل أيام عن (مؤسسة الانتشار العربي *)  ومقرها في بيروت ( ص.ب 113/5752 ) كتاب جديد للكاتب العراقي علاء اللامي يحمل عنوان " السرطان المقدس : الظاهرة الطائفية من المتوكل العباسي إلى بوش الأمريكي " والكتاب كما يفهم من عنوانه بحث معمق ومسهب في ظاهرة انقسام المجتمع العراقي طائفيا بين مسلمين شيعة وسنة وأقليات دينية وقومية صغيرة أخرى. هذه أدناه مقدمة الكتاب للتعريف به وبمضامينه .

قبل بضعة أيام 1، صرح سياسي عراقي من المشاركين بفاعلية في العملية السياسية، أن الطائفية ليست إلا سرطانا ينخر كيان الدولة والمجتمع. وبغض النظر عن مقدار الصدقية في تصريح يطلقه سياسي من هذا المعسكر فإنه – التصريح -  يظل يحتفظ بدلالات خاصة. وقبل بضعة أيام أيضا هاجم زعيم حزب سياسي في خطاب انتخابي بحدة وتشنج منتقدي الطقوس والممارسات التي يقوم بها بعض الناس من المسلمين الشيعة خلال أيام عاشوراء كالتطبير وجلد الذات بالسلاسل، واعتبر هذه الممارسات طقوسا وشعائر مقدسة لا يجوز " منع المؤمنين من القيام بها "2. واضح أن  الخطيب لا يدافع عن هذه الممارسات الدموية وحسب بل أيضا عن حق الجمهور الموجود أمامه في ممارستها ، أكثر من هذا إنه لا يدافع في العمق إلا عن حقه هو في كسب أصوات هذا الجمهور لصالح حزبه عبر " قدسنة 3 " هذه الممارسات وصولا إلى الحصول على المنصب السياسي المخصص لهذه الطائفة ضمن لعبة وتواضعات  تقسيم  الحكم الذي جاء به الاحتلال والقائم على المحاصصة الطائفية. هذه الممارسات الطقوسية لدى المسلمين الشيعة الاثني عشرية ثمة ما يشابهها لدى المسلمين السنة العراقيين من بعض الطرق الصوفية كالطريقة القادرية الكسنـزانية ومنها ما يسمى بضرب الدرباشة 4 !

إن بين مَن يعتبر الطائفية والسياسيات القائمة عليها سرطانا ينخر جسم الدولة والمجتمع، ومَن  ينظر إليها أو إلى ما يديم بقاءها كأمر مقدس لا يجوز نقده أو تجاوزه،إن بين هذين الشخصين ، القناعتين ، النظرتين ،ثمة قاسم مشترك يجعل كليهما صحيحا بمعنى من المعاني : فالأول صحيح إذا ما نظرنا إلى الطائفية بعامة والطائفية السياسية بخاصة كطريقة حكم رجعية ومضادة للتاريخ ولحقائق المجتمع المعني وهو هنا المجتمع العراقي ، والثاني صحيح أيضا من وجهة نظر قائله  إذا ما نظرنا إليه كوسيلة مكافيلية لا ترى بأسا من إسباغ صفة القداسة على ممارسات طائفية دموية بقصد الإبقاء على هذا النظام السياسي وطريقة إدارته وتقاسم منافعه وأرباحه من قبل ممثلي، أو زاعمي تمثيل الطائفة المعنية .

 نحن، إذاً، بإزاء حَيْثٍ أو ثيمةٍ  أو ظاهرةٍ يعتبرها البعض سرطانا فيما  يضفي البعض الآخر عليها ، أو على أحد مشمولاتها،  قداسة ما .. فهل نحن بإزاء سرطان مقدس ؟

 يحاول هذا الكتاب تقديم مقاربة خاصة، هي أشبه بإجابة أو مجموعة إجابات مركبة لهذا السؤال /الظاهرة، عبر تفكيك وتحليل جذورها التاريخية منذ ظهور الطوائف الدينية في العراق وافتراقها عن ظاهرة الفِرَق ( جمع فرقة )، عابرين إلى واقع حالها في الراهن الاجتماسي العراقي ومحاولين أيضا استشراف آفاقها المستقبلية.

يضم هذا الكتاب، إضافة إلى التوطئة، خمسة عشر فصلا: الفصل الأول خصصناه للمقدمة التاريخية لظاهرة نشوء الفرق والطوائف في بواكير العصر الإسلامي وهي بقلم أستاذي الراحل هادي العلوي، يليه الفصل الثاني المخصص لاستعراض نقدي لنماذج مما كُتِبَ بخصوص الظاهرة الطائفية، والموزع على نمطي القراءات الانطباعية الساذجة وفولكلور الشتائم الطائفية المتبادلة. في الفصل الثالث، نقدم قراءة نقدية أخرى لبعض الكتابات المنحازة طائفيا بأقلام كتاب من المسلمين الشيعة. في الفصل الرابع سنبدأ قراءتنا لتمظهرات الظاهرة الطائفية في طورها الجديد الذي بدأ مع احتلال العراق سنة 2003 وقيام حكم المحاصصة الطائفية، محاولين رصد وتحليل الجهود التي بذلتها إدارة الاحتلال وحلفاؤها المحليين من الطائفيين الشيعة والسنة والقوميين المتطرفين في القيادات الكردية  لمفاقمة إفرازات الطائفية وتفعيل كافة محاورها الاجتماعية والسياسية الضارة والهادمة. في الفصل الخامس نتطرق إلى جهود الطائفيين السُنة تقديم ممثل سياسي لطائفتهم وإشكاليات هذا التمثيل وطبيعة القوى السياسية الطائفية الممثِلة من قبيل فرع حركة الأخوان المسلمين في العراق أي " الحزب الإسلامي "بقيادة الهاشمي و "هيئة علماء المسلمين " بقيادة الضاري. في الفصل السادس نقدم محاولة نظرية للتفريق المنهجي بين ما ندعوه "الطائفية التكوينية" و "الطائفية السياسية". أما في الفصل السابع فسنواصل تلك المحاولة النظرية، محاولين توسيعها لتفحص ظاهرة مقاومة الاحتلال الأجنبي في المجتمع المنقسم طائفيا وقوميا كالمجتمع العراقي. ننتقل بعدها، وفي الفصل الثامن، لنناقش مأزق التيار الصدري بين الفكر السلفي الذي يحمله قادته وبين البرنامج المقاوم الذي يصبون إلى تكريسه وتطبيقه. في الفصل التالي، أي التاسع، سنتعرض بالتحليل للطائفية السياسية كرافعة تطبيقية  لتقسيم العراق إلى دويلات طائفية وقومية متذابحة. في الفصل العاشر نناقش مجموعة من الآراء التي طرحها الكاتب الأمريكي توماس فريدمان في محاولة منه لتفسير فشل الاحتلال في هزيمة ما يسميها "الأقليات المتمردة"  محاولين التأكيد من خلال قراءتنا أن حقائق الواقع العراقي التي يجهلها فريدمان وأمثاله، تفند وبقوة البرامج والآراء التي يطرحها الاحتلال على لسان كتابه ومنظريه. الفصل الحادي عشر خصصناه لاستعراض وضع الطوائف المسيحية العراقية، وما تعرضت له -أسوة بالطوائف العراقية الأخرى - من محنة حياتية وعذابات القتل والتهجير والتضييق والتمييز في عهد الاحتلال، أما الفصل الذي يليه - الثاني عشر- فقد خصصناه للتعريف بطائفة عراقية هي الطائفة اليزيدية وموقعها الراهن بين تجاذبت الحاضر وأثقال الماضي. في الفصل الثالث عشر نقدم قراءة نقدية لبيان أصدرته مجموعة من المثقفين الذي وصفوا أنفسهم بـ "العرب الشيعة"  معتبرين المضمون الذي وردَ في هذا البيان مجرد قفزة في فضاء الظاهرة الطائفية على المستوى القومي.

 في الفصل الرابع عشر نرصد بدايات ضمور وتلاشي الظاهرة الطائفية السياسية على مستوى القاعدة الاجتماعية، حيث وجهت الكتلة الناخبة الشعبية ضربة قوية لممثلي نظام المحاصصة الطائفية خلال لانتخابات المحلية سنة 2009 ، معتبرين هذا الحدث إيذانا بنهاية دورة من دورات العنف الطائفي، دون ان يعني ذلك نهاية الظاهرة الطائفية تماما وبرمتها. في الفصل الأخير نناقش قضية العلمانية وكيف ينبغي أن تكون وسيلة ذات خصوصية عراقية، الهدف منها درء الاحتراب الطائفي، محاولين تفنيد الخلاصات التي تذهب إلى ان الصراع السياسي الدائر في العراق هو بين التيار "العلماني التقدمي"  و"التيار الطائفي الرجعي" مؤكدين على أن العلمانيين  شأنهم شأن الإسلاميين منقسمون سياسيا ووطنيا بين حلفاء للاحتلال ومناهضين له وللنظام الذي جاء به، وان التقسيم الفعلي والحقيقي تاريخيا هو بين عراقيين استقلاليين وطنيين يناهضون الاحتلال من علمانيين وغير علمانيين وبين عراقيين تابعين وحلفاء للاحتلال من علمانيين وغير علمانيين أيضا. يلي هذه الفصول قسم خاص بالملاحق يضم نص دراسة بقلم الكاتبة والصحفية الأمريكية والقائمة بأعمال مدير مراقبة إيرادات العراق جولي مكارثي تسوِّقُ فيه مشروع ومبادئ "مجلس الحكم" سيء الصيت، والذي شكله المحتلون بعد احتلال العراق، كما يضم ملحقا خاصا ببيان من أطلقوا على أنفسهم " المثقفون الشيعة العرب"  الذي تعرضنا له بالقراءة النقدية في الفصل الثالث عشر. 

ولهذا الكتاب قصة متواضعة تستحق أن تروى ، فقد اتفقنا أنا ورفيقي وأستاذي الراحل أبو الحسن هادي العلوي خلال صيف سنة 1996 على كتابة دراسة عن موضوع الطائفية في العراق، وتقاسمنا العمل كما اعتدنا أن نفعل : يكتب هو الخلفية التاريخية للموضوع وأتكفل أنا بكتابة استعراض لما قيل حولها ثم تفكيك منهجي للظاهرة المبحوثة لتأكيد الفرضيات النظرية التي انطلقنا منها و لنفي فرضيات أخرى لا نرى أنها صحيحة ، إنما نفعل ذلك ضمن ما نحاول الأخذ به من ثوابت الكتابة العلمية التي تنحاز إلى الوعي وليس إلى الأيديولوجيا ( أو الأدلوجة بحسب عبد الله العروي ) محاولين إحداث قطيعة حقيقية وعملية مع  النمط النقيض السائد في عالم الكتابة السياسية والاجتماعية العراقية والعربية حيث السيادة للتمييع والخلط وانعدام الدقة و ندرة الجرأة النقدية و التوثيق ومفارقة التجرد العلمي.

وهكذا كان ،أنجزنا الدراسة في صيغتها المركزة والمضغوطة الأولى، وبعد تردد قررنا نشرها أواخر ذلك العام في يومية " القدس العربي " الصادرة في لندن . وكان سبب التردد متعلقا بقوة الاستنتاجات التي خرجنا بها والتي اعتقدنا بأنها ستثير زوبعة سياسية وفكرية ما . وحدثت الزوبعة ولكن بحدود دنيا تمليها حالة النكوص والاسترخاء التي كانت الساحة السياسية والفكرية العراقية " المعارضة خاصة " تغرق فيها.  وبعد فترة قرر زميلي أبو الحسن نشر كتابة " المرئي و اللامرئي في الأدب والسياسية " ونشر فيه عددا من مقالته التي رُفِضَ نشرُها في عدد من المجلات والصحف، كما استضافني في كتابه ذاك بدراسة لي عن الحركة الماسونية العالمية  ولكنه آثر أن ينشر من هذه الدراسة الخاصة بالظاهرة الطائفية القسم الخاص بالجذور التاريخية فقط والذي كتب جُلَهُ هو  لأسباب "شخصية " شرحها لي في حينه . وبعد رحيله المفاجئ والمحزن نشرتُ هذه الدراسة بعد أن أدخلت عليها بعض التصحيحات التأليفية والتعديلات غير الجوهرية مرتين ، مرة في مجلة " العصور الجديدة / المصرية" وأخرى في " دراسات عربية / اللبنانية "  وهذه أدناه التوطئة التي صَدَّرْتُ بها الدراسة تليها المقدمة التاريخية التي كتبها رفيقي الراحل  :

  (الوطن هو نقيض الطائفية، فعندما يسود النظام الطائفي يغيب الوطن وعندما يفرض هذا -الوطن- نفسه تتوارى الطائفية) 5 ،هذا ما قاله الباحث وأستاذ التاريخ المصري "يونان لبيب" قبل عقد تقريباً، وهو مصيب تماماً في ما ذهب إليه. لكن لا الطائفية ذات ماهية ثابتة ومكتفية بذاتها ولا الوطن جوهر ميتافيزيقي يقع خارج حدود التاريخ الحي. إنهما، وسواهما من المتماثلات، ظواهر ذات حيثيات ملموسة مرتكزة إلى أسس مادية تؤلف بجملتها وبحركتها لحمة التاريخ وسداه. وبهذا المعنى يصح الاعتقاد بأن الوطن لا يحتمل ولا يطيق منافسة الطائفة له على السيادة إذْ في هذا ضياعه المحقق.

  أما الطائفة فهي حين تحل محل الوطن وتحتويه فإنها تضفي صفاتها وخصائصها و ولاءاتها عليه، إنها تنفيه إلى العدم لتشيِّد عدمها الخاص مكانه في هيئة حروب تدميرية عقيمة وإعادة إنتاج لحروب أخرى من ذات الطبيعة.

  لا مجال، والحالة هذه، لأية حلول تلفيقية تخترع توازنات وهمية وبدائل ذات مسميات محايدة شكلا تلفلف بها جوهرها الأيديولوجي الرجعي ، كأن يسمي الطائفيُّ نفسه إسلامياً، أو أن يدعو تنويري مزيف إلى سيادة (العدالة والحق) وإلى إزالة التمييز الطائفي ولكنه يرفض البديل الديموقراطي العلماني في نفس الوقت، إن هذه الدعوة على الرغم مما تتستر به من شعارات "ضد طائفية" تكرس واقع الطائفية. إنها تريد في الحقيقة، استبدال هيمنة طائفة، بهيمنة طائفة أخرى، وهكذا يستمر تاريخ الوطن في الدوران في حلقة مكررة من الخراب والدمار والغبن الشامل.

  كيف يغيب الوطن، وفقاً لهذه القراءة ؟ إن المقصود ليس الغياب الجغرافي بل التاريخي-الحضاري- وهذا ما يحدث مثلاً، حين تجتاح قوة غازية فتية وطناً فتحتله وتلغي حضوره، لفترة قد تطول وقد تقصر، وقد تنهي باحتواء المغزو للغازي أو العكس. ويحدث الأمر ذاته حين تتمكن عصابة من الناس من السيطرة على المؤسسات القمعية ومصادر الثروة في دولة ما فتلتغي- حكماً- سيادة الوطن لصالح سيادة العصابة، وغالباً ما لا تعمر سيادات كهذا المثال طويلاً إلا في النادر ومنه الحالة موضوع دراستنا. وثمة شكل آخر من أشكال غياب وسرقة السيادة ، وهي الأكثر خطورة وحضوراً في راهننا السياسي. يحدث ذلك حين تستثمر قوة سياسية طائفية منظمة ومسلحة وممولة جيداً وضع تاريخي، شاذ ومعقد يمر به بلد ما، وتنجح، الطائفة اسماً، ومُدعو تمثيلها واقعاً، في إحلال نفسها محل الوطن فتلغيه بما فيه وغالباً ما تتحالف قوى كهذه مع عدو خارجي تاريخي أو محتمل لتحقيق هيمنتها، ومن ثم تدخل في صراع شامل وإبادي مع جميع المكونات التاريخية للوطن، حرثاً ونسلاً ومؤسسات، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.

  لا تشكل طبيعة النسيج المجتمعي في العراق استثناءً لما هو سائد في المشرق العربي بل في الشرق عامة، حيث القاعدة هي التعدد الفسيفسائي، بتمظهرات بالغة التنوع والتعقيد لماهيات إثنية ودينية وطائفية..إلخ. والاستثناء هو الانسجام والصفاء النوعي المحدود في الزمان والمكان. إن هذه المحدودية تتأتى من الندرة التاريخية والجغرافية أولاً، ومن التصاقها بحركة تاريخ النموذج الموصوف، وكونها حركة تاريخية يجعلها في تقاطع تام مع تاريخ آخر لا اسم له سوى تاريخ الأوهام، الذي تصول وتجول فيه الكتابات الطائفية المتكاثرة هذه الأيام تالياً. وهذه الكتابات نوعان: نوع يعي طائفيته فيدافع عنها تحت شعار "إما نحن وإما هم". وبعضها أكثر حياءً فيتستر بما سبق ذكره من مسميات.

  النوع الثاني، وهو ما سنسلط عليه الأضواء بشدة تكافئ شدة خطورته، هو ما يمكن تسميته بالطائفي مآلاً وتكويناً. فهذا النوع من الكتابات يشكل الجزء الأكبر والأخطر من بنية الخطاب الطائفي الجديد، وهو بهذا يستحق صفة الجدة الخالية من أية قيمة معيارية، أي لكونها جديدة فهي تقدمية تاريخياً، بل لأنها تفترق، نوعاً، عن الخطاب الطائفي التقليدي والذي قد يصنف ضمن ما يمكن تسميته فلكلور الشتائم الطائفية المتبادلة!

  ولكننا لن نهمل تماماً هذا النوع الأخير- الفلكلوري- بل سنعود إليه كلما اقتضت ضرورات البحث ذلك. على ضوء هذه المقدمات التوضيحية ، ستفترق المنهجية التاريخية النقدية ، التي سنعتمدها في استقرائنا لهذه الظاهرة، افتراقاً حاداً ومثيراً لإشكاليات مختلفة عن منهجيات أخرى تناولتها من مواقع، أريد لها أن تكون نقدية، ولكنها انتهت للأسف لتكون جزءاً وطيداً من بنية الخطاب الطائفي ، لأنها متورطة أصلاً، وإلى هذه الدرجة أو تلك، في الانحياز الناجم من جملة الأحكام والآراء المسبقة والمستغرقة بحسابات سياسية وفكرية نفعية. وعلى النقيض من هذا، فإن التراث والسلوك النضالي للقائدين والمؤسسين الفعليين للدولة العراقية مهدي الخالصي ومهدي الحيدري، ورغم أنهما من رجال الدين الشيعة، يمكن اعتبارهما خارج بنية الخطاب الطائفي تماماً، لا بل إننا نعتبر تراثهما جزءاً حيوياً ومهماً من بنية الخطاب العقلاني المضاد للطائفية شكلاً ومضموناً، مصدراً ومآلاً. إنها بنية، تروم هذه الدراسة أن تشكل مفتاحاً لفهمها كظاهرة سلبية وترسيخ نقيضها في تربة الواقع السياسي والفكري العراقي لتكون، بما تطرحه من أفكار وطرائق بحثية، امتداداً وتواصلاً، ومن ثم تطويراً لكل فكر وتراث مناهض ومناقض للخطاب الطائفي التدجيلي الراهن والزاحف بقوة في السنوات الأخيرة. لقد نحينا جانباً كل ابتزاز محتمل لمنهجيتنا ومقولاتنا وندرك جيداً أننا سنواجه بالأحرى شبكة متنوعة وربما متعادية من الابتزازات والإرهاب الفكري. ثمة مثلاً الابتزاز الطائفي السني الراغب في استمرار دار لقمان على حالها، سواء مكثت الحكومة القائمة أم ذهبت مع الريح، وهناك الابتزاز الطائفي الشيعي الاثنا عشري الذي لن يطيق بكل تأكيد هذه القراءة الفاضحة والمفككة لملابساته التي ظلت في مأمن من أية فاعلية نقدية تقوم على أسس عقلانية قروناً طويلة. هناك أيضاً ابتزاز النظام الحاكم والذي، وإن كان سيرقص طرباً لأشياء، لكنه سيدرك سريعاً بأن أشياء كثيرة ستصيبه في مقتل! ومع ذلك فلن نخضع قراءتنا لأية حسابات سياسية، فهذا شأن خاص برجال السياسة وطلاب السلطان لا بأهل الفكر. إضافة إلى ما سبق فإن هذه المنهجية ستزعج أولئك القائلين بـ "علمانوية" زائفة ومزيفة تساوي بين القرامطة والإخوان المسلمين وتحكم على الاثنين بالرجعية كما يقول بذلك بعض "المستشرقين العرب". وأخيراً فلن نكون بمنجى من ردود أفعال الذين سيجدون أفكارهم وقد أضحت جزءاً من بنية الخطاب الطائفي ولهؤلاء نقول: إننا لا نشطب على إنجازات أحد ولا نلقي اتهامات جزافية بل ونعبر عن احترامنا للنوايا الطيبة التي كتبوا ما كتبوا في هديها، غير أن العقل وطرائق عمله لا يقيم كبير وزنٍ للنوايا والعواطف رغم جمالها بل للحقائق والمصائر، وقديماً قال عدو الطائفية الأول أبو العلاء المعري:

  كذِبَ الظنُ لا إمامَ سوى العقل مشيراً في صبحهِ والمساء .                                 

......................................................................................

هوامش :

* http://alintishar.alkashkoul.com/catalogue.asp?action=search

[1] -  المقصود ، خلال  حملة الانتخابات المحلية في العراق في بداية سنة 2009 .

2 - الإشارة هنا إلى السجال الذي دار بين الشيخ حسين الشامي القيادي في حزب الدعوة الإسلامية العراقي / جناح المالكي، والسيد عمار الحكيم نائب رئيس حزب المجلس الإسلامي الأعلى في العراق .

3 - آثرنا استعمال الكلمة بهذه الصيغة على زنه " فعلنة " للتفريق بينها وبين الصيغة الشائعة وغير التهكمية " التقديس " على زنة " تفعيل " لاختلاف المعنى المراد .

4- الدرباشة : طقوس احتفالية صوفية يجري فيها  طعن الجسم بآلات حادة كالسيوف والسكاكين والأسياخ وغيرها وتناول الزجاج المهشم والمسامير بعد تناول ما يدعى بالطريقة التي قد تكون ماء أو سائلا آخر تم تقديسه، و نرجح  أن يكون أصل هذه  الكلمة العربي هو "الدروشة " كما تلفظ محرفة في بعض اللغات الشرقية كالتركية والفارسية " الدرفشة/ الدربشة ".

5 - الطائفية إلى أين؟ تأليف مجموعة من الباحثين المصريين، ص65، دار المصري الجديد.

 

 

 

 

 

تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم

 الصفحة الرئيسية | مقالات | دراسات | عمال ونقابات | كتابات حرّة | فنون وآداب | طلبة وشباب | المرأة | الأطفال | إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة   © 2009 صوت اليسار العراقي