%@ Language=JavaScript %>
|
لا للأحتلال |
|
|---|
عراقيون – أبجد هوّز
إ - إبن سينا شيخ الأطباء
عناد عبد الصعب
" لك شنو طبيب؟... شيخ الاطباء" هكذا صرخ الرجل العجوز بفرد الحرس القومي المتمنطق غدارة بور سعيد، بينما كان يشق طريقه عبر الاسلاك الشائكة الى ردهات موقف خلف السدة بحثاً عن ابنه بين آلاف الموقوفين.
كلما ذكرنا الحادثة يداري شيخ الاطباء خجله بضحكة قصيرة هادئة.
كانت فترة توقيفي في صيف 1979 فرصة نادرة للاقتراب اكثر من شخصه و رؤية جانب قلما نراه بعيداً عن الحياة اليومية الرتيبة.
قبل ان يدخله افراد الامن الى قاعة التوقيف في الليلة الاولى سمعت صوته يتردد في الممر رداً على مدير الامن العامة ووكيله " أحنه؟ محد (ما أحد) ضيّع فلسطين غيركم! "
في قاعة الحجز احاطه الموقوفون بعناية و احترام واضحين اذ كان اغلبهم ان لم يكن كلهم إما رفاقه و زملائه أو مرضاه يزورون عيادته.
هذه المكانة انتقلت الى حرس الامن العامة و حتى المحققين. في احدى المرات أغلظ الحارس الفظ في معاملة أحد الموقوفين (نصير سعدون) فتدخل الطبيب محذراً الحارس لأن نصير أحد مرضاه و قلبه لايحتمل الاذى. توقف الحارس و أدرك انه لا يستطيع الاستمرار بايذاء الموقوف فخرج غاضباً و عاقبنا بمنع الشاي تلك الليلة.
لم أدرك مكانته بين الحرس حتى أستيقظت احدى الليالي و سمعت صوته يتكلم بهدؤ للحارس الفظ بينما كان يمسك بيده علبة دواء. كان يشرح للحارس فاعلية الدواء و طريقة الاستعمال. انتبه الحارس الي و عندما استدار ليعاقبني طمأنه الطبيب "لا تخاف ما راح يحجي لأحد ".
عندما انصرف الحرس اقتربت من الطبيب و سألته ان كان يشعر انه مكره على معالجة الجلادين فرفع العصّابة عن عينيه و رد بحدة " شوف! آني طبيب مو بعثي و هذا واجبي الاجتماعي ان اعالج المريض اياً كان...هسه لو يجي صدام حسين مريض أعالجه حاله حال الآخرين" كانت هذه الحادثة منبها للانسان الذي طالما تطمره الاحداث و الصراعات و الخلافات .
هذا الانسان الكامن يظهر في الحالات النادرة و اللحظات العصيبة. في الليالي التي تلتها كان الحارس يزور القاعة ليلاً و معه زميل حارس آخر و بيده علبة دواء مستفسراً عن فاعليته او جدواه.
تبدد الدهشة من الحادثة عندما يخبرنا ابنه الاصغر انه في أحد الايام تعلم درساً في الشيوعية يفوق في قيمته و أهميته مئات الاجتماعات و الموسعات و الاشرافات. يقول " كنا نسكن في منطقة حديثة و هادئة من بغداد. و كانت محلتنا تتمتع بخدمات قلما تتوفر لغيرها، منها ان منتجات مصلحة الالبان تجري ايصالها الى دور المشتركين. كان افطاري اليومي يشمل القيمر و الشاي و الحليب المعقم.
في أحد الايام حضرت الى مائدة الفطور فلم أجد الحليب العقم. تذمرت و أشتكيت. فقال لي والدي انه اعطى الصندوق (20 قنينة) الى احد مرضاه كجزء من العلاج و لما اعترضت اجابني: انته عندك فلوس و تقدر تشتري من السوق اذا توفر او بديل عن الحليب اذا اردت أما المريض فهو أحوج منك الى الحليب لأنه دواؤه" ادركت ان الشيوعية ليست مقولات و تنظيرات وانما نمط حياة عن قناعة و وعي و ادراك.
طالت فترة توقيفنا و صار الامن يعرضون على غير المنظمين ان يدلوا بشهادات تتهجم على الحزب الشيوعي العراقي مع الوعد بعدم نشرها الا اذا نشطوا سياسياً خارج البعث.
في تلك الايام طلب الطبيب ان يتم ارساله الى مستشفى امراض القلب لأحساسه بآلام في قلبه. بعد ان فحصه طبيب الموقف، تم ترتيب ارساله الى مستشفى ابن نفيس صبيحة اليوم التالي. انتابنا قلق عظيم على سلامته فلو حدث له أمر ما لن يستطيع احد معرفة الحقيقة. قبل الغروب انفتح باب الموقف و دخل الطبيب يعرج على قدمين متورمتين من آثار الفلقة. تركناه ينام حتى موعد العشاء عند الغروب.
بعد ان تناولنا الشاي انتهزت الفرصة لاستعلم ما حدث فاخبرني انهم رفعوا العصابة عن عينيه و احضروا له فطوراً و اعتنوا به. قاده اثنان من الحرس الى سياج الامن العامة و كان يمشيان ببطء كمن ينتظر أحداً. قبل العبور الى المستشفى لحق به وكيل مدير الامن و قال له انهم نسوا اجراء بسيط و هو ان يتم تسجيل فيديو للطبيب يعلن فيه عدم دعمه لسياسة الحزب الشيوعي العراقي و انه يؤيد السياسة التقدمية للحكومة الوطنية. و قال الطبيب انه ما ان انهى الوكيل حديثه" أعدت العصابة الى عينيه و استدرت الى بناية الامن طالبا اعادتي الى الموقف فانهالوا علي ضرباً و اقتادوني الى احدى غرف التحقيق حيث نلت نصيبي من الفلقة" زارنا الحارس الفظ فجن جنونه و عاقبنا عدا الطبيب بالضرب بالعصي على ايادينا كأننا تلاميذه في مدرسة ابتدائية و اتهمنا باننا السبب في ايذاء الطبيب.
و عندما تحدثت معه في موضوع علاج الشرطة و الامن اخبرني ان احد جيرانه من افراد الامن متزوج من امرأة شابة انجبت له ولداً بعد عدد من البنات. في أحد الايام مرض الطفل فجاءت أمه تستنجد بالطبيب بعد ان يأست من بقية الاطباء و بعد ان خفت حدة المرض زار الجار الأمن و معه هدية بدلاً من الكشفية فما كان من الطبيب الا ان يردها و صفع الجار الأمن قائلاً له: "ألا تستحي؟ احنه جيران و بعدين شنو ذنب الطفل اذا ابوه عار؟"
كان اللقاء به بعيدا عن العيادة و داره فرصة لمعرفة جوانب انسانية في شخصيته. حدثنا أحدى الليالي انه عندما كان مسجوناً بعد انقلاب 1963 النازي تولى محو امية احد المساجين الشباب من ريف الناصرية. كان الاخير لا يكف عن ترديد ان البعثيين و عبد السلام عارف قتلوا عبد كريم قاسم لانه كان شيعياً و ان الحكم السني يضطهد جماهير الشيعة. سأله الطبيب هل يفضل ان يحكمه هادي الجلبي الشيعي ( الاقطاعي الذي سامه العذاب) فرد الفلاح بسرعة "لا عيني خلي عبد السلام احسن"
كان الطبيب يؤمن ان العمل واجب احتماعي و ليس وسيلة للاغتناء و الثروة. طبق هذا الرأي في عيادته الخاصة في شارع السعدون اذ كان يأخذ الكشفية ممن يقدر و يعالج الفقير و المحتاج مجاناً. في احدى المرات زرته في عيادته و رحب بي أبو عبد فراش العيادة و بعد السلام و السؤال عني قال كمن يتذمر :" الدكتور فاتح مستوصف حكومي يعالج الناس على حسابه...ياهو اللي يطلع يكلي و الله ما عندي، جماعتي كلهم يرجعون جيوبهم متروسة اكراميات. يابه الدكتور ايده مو اله" عنى ان الطبيب كان مكرساً جهده لعلاج المرضى ايثاراً.
في احدى المرات سألته عن توقيفه في 1979 و تدهور الوضع السياسي. لم يشأ ان يدخل في تنظيرات و اطالة و لكنه لخّص رأيه بسرد حادثة في ربيع 1979 قبل اعتقاله و قال"زارني عبد السلام الناصري و محمد كريم فتح الله في العيادة و صار يتحدثان عن اشتداد الحملة المسعورة ضد الديمقراطيين و الشيوعيين فسألتهما اين ابو سعود لينقذ تحالفه مع البعث؟ فردا و هل تضمن سلامته اذا عاد للعراق؟ اجابهما اذهبا الى عزيز محمد و قولا له اذا يخشى على سلامته ان يكف عن العمل في السياسة"
ما ان بدأت علامات الغزو وقف ضده و بعد ان تم الاحتلال حضر ندوة لعراقيين تداولوا اسباب الغزو و اهدافه فقال لهم "سمعت تحليلاً و تشخيصاً لكني لم اسمع احد يعلن انه سيعود للعراق و يقاوم الاحتلال حتى لو بالكلام" سألته مرة عن رفاقه السابقين الذين تعاونوا مع الاحتلال و انخرطوا بـ"العملية السياسية" فأجاب دون لبس او غموض "التعاون مع الاحتلال خيانة" . فهمت انه لا يريد ان يصفهم بالخونة لكن موقفهم خيانة، فالوصف للفعل و ليس الافراد. اما عن القيادة الحالية لحشع فيراها غير جديرة بالذكر و تسعى لتصفية الارث النضالي المجيد لعقود طويلة و تحويل الحزب الى نادي ثرثرة.
في المنفى البعيد عن الوطن ازوره بانتظام و اقضي احلى الاوقات في النقاش الفكري. كلما زرته وجدت عنده كتاب جديداو مقالة جديرة بالاهتمام. ما يزال ذهنه وقّاد و رؤيته ناضجة لم تثلمها عوادي الدهر و عثراته.
كلما افكر به او أذكره اردد: هذوله أحنه
عناد عبد الصعب
12 آب 2011
تنويه / صوت اليسار العراقي لا يتحمل بالضرورة مسؤوليّة جميع المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كتاباتهم
الصفحة الرئيسية | [2] [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا
جميع الحقوق محفوظة © 2009 صوت اليسار العراقي
|
الصفحة الرئيسية | [2] [3] [4] | أرشيف المقالات | دراسات | عمال ونقابات | فنون وآداب | كاريكاتير | المرأة | الأطفال | حضارة بلاد الرافدين | إتصل بنا |
|
|---|